المنافقون الجدد / محفوظ ولد اعزيز

تحضرني في هذه الأيام قصة رهط عبد الله بن أبي بن سلول ، شيخ المنافقين الذي كان يصلي خلف رسول الله ، النبي الهادي الأمين ، في حين كان هو و أتباعه يضمرون الحقد الدفين لهذا النبي الأمين الذي أرسله الله رحمة للعالمين و يحرضون عليه و يسعون لقتله و تفتيت وحدة أتباعه ، بينما كان رسول الرحمة ، كلما أتاه أحد أصحابه لينبهه على تصرفات هذا الرهط الإجرامية بحق الرسول و الذين آمنوا معه.
فكان رسول الرحمة يقول له "دعهم و شأنهم" إلى أ نزلت فيهم الآية الكريمة التي فضحتهم و عرت أمرهم و وصفت ما كانوا يقومون به من دسائس و مؤامرات ، متسترين خلف المظهر الإيماني الزائف ، حين قال فيهم الباري ، جل من قائل ، " و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا أمنا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون"
إن ما نشاهده هذه الأيام من تكالب لهذه السلالة المتآمرة ، الممتدة في الزمان و المكان العربيين، على الشقيقة سوريا التي رفعت عاليا كلمة العرب و المسلمين و دافعت عن حقوقهم بالمال و السلاح و رفعت صوتها عاليا في المحافل الدولية من أجلهم و احتضنت آمالهم و آلامهم و التي ظلت تشكل الرافعة للأمل العربي حين تخلى الجميع عن هذه الأمة المنكوبة و قضاياها المصيرية و اختاروا السير في ركب ابن أبي و اعتلوا صهوات بغال هولاكو و فتحوا أرضهم و سماءهم لجحافل مغول العصر فكان سقوط بغداد الثاني على أيادي هؤلاء و بتمويل و تواطؤ مكشوف منهم .
لقد كان قدر دمشق أن تكون عبر تاريخها الطويل في منازلة أعداء هذه الأمة ، على موعد دائم مع سهام و طعنات غدر هؤلاء المنافقين المارقين القابعين دوما في دهاليز التآمر و الغدر و الخيانة . فلنذكر ـ إذا كانت للتذكير فائدة : أين ذهب خالد مشعل و قيادة حماس الإخوانية عندما طردتهم المملكة الأردنية : لقد ذهبوا إلى إمارة قطر التي اشترطت عليهم التخلي عن العمل السياسي
للإقامة فيها و عدم التصريح لأي وسيلة إعلامية و عدم التحرك من أماكن الإقامة المخصصة لهم أي السجن مقابل البقاء . عندها غادر هؤلاء إلى إيران و من ثم إلى دمشق التي استقبلتهم بحضنها الدافئ كعادتها مع جميع ضحايا مأساتنا العربية ، فاحتضنت عملهم السياسي و الإعلامي و حمتهم و لاقت في ذلك ما لاقت من حصار و تهديد و وعد و وعيد و طلب منها و بشكل معلن أن تطردهم مقابل أي صفقة تريدها ، فرفضت و بدلا من أن تمتثل لطلب عتاة الصهاينة و حلفائهم الأوروبيين و الأمريكان ، امتثلت لقول رسول المحبة محمد بن عبد الله : "المسلم أخ المسلم لا يظلمه و لا يسلمه لمن يظلمه"
لقد كانت سوريا بشار حافظ الأسد و حزب البعث العظيم، كريمة مع أمتها و رحيمة ببني جلدتها؛ كرم أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه و سلم مع إخوانهم المهاجرين.
لقد فتحت ذراعيها للإخوة الفلسطينيين الفارين من جحيم الصهيونية عبر حملات التطهير العرقي المتتالية ، فكان لهم ما للسوريين من حقوق و عليهم ما عليهم من واجبات و كذلك فعلت مع لبنان حين وقفت في وجه مؤامرة تقسيمه و شدت على يد مقاومته حتى تم تحرير جنوبه من نير الاحتلال الصهيوني البغيض و وقفت إلى جانب العراق الشقيق و مقاومته في وجه الاجتياح الأمريكي الصهيوني الذي كان منطلقه بلدان تلك الأنظمة المنافقة التي رهنت الأرض العربية و مقدرات المجتمع العربي لمغول العصر و دخلت معهم عبر تاريخها الأسود في شتى أنواع التآمر و الخيانة : فمن تكديس عائدات النفط العربي في بنوك الغرب الاستعماري، المتصهين للرفع من قدراته التنموية على حساب التنمية في الوطن العربي و توجيه قسم كبير من تلك الأرباح و العائدات إلى التنمية في الكيان الصهيوني و الرفع من قدراته العسكرية العدوانية، إلى فتح أراضيها و موانئها و أجوائها للقواعد العسكرية لإرهاب الشعوب العربية و احتلال أراضيها بالقوة مثل ما وقع في العراق الشقيق و يقع في القطر العربي الليبي و تتجه نذره اليوم نحو التهديد بالمساس بأمن القطر العربي السوري إلى استخدام الإفتاء الديني على شاكلة ابن أبي و مسجده الضرار .
و لن ننسى تلك الفتاوى المنافقة التي أطلت علينا من تلك المنطقة الموبوءة أثناء العدوان العسكري الصهيوني على لبنان صيف 2006 التي تحرم نصرة مجاهدي حزب الله في مواجهة آلة الدمار الصهيونية ، في تحد وقح و سافر لكل منظومتنا القيمية العربية و الإسلامية .
لقد ذهب هؤلاء إلى "الجهاد" في أفغانستان عندما كان هذا "الجهاد" مطلوبا أمريكيا لطرد السوفييت من تلك المنطقة فراحوا يصدرون الفتاوى و يحرضون على التطوع و القتال و يغدقون الأموال و عندما انتهت المهمة أمريكيا و صار الجهاد إرهابا بالمنطق الأمريكي نفسه ، تحولوا إلى نفس المنطق : يا لها من طواعية عمياء، مذلة و مخزية!
و اليوم تطلب أمريكا من مجموعة بني أبي ذاتها أن يحولوا جمعة الرحمة و مسجد المحبة و الموعظة الحسنة إلى مخابئ للسلاح لترويع الآمنين و قتل الأبرياء ، بما يتفق مع المنحى التاريخي لمسجد شيخ الفتنة ابن أبي .
لقد حول هؤلاء المارقون الأفاكون الخونة ، صلاة الجمعة التي هي صلة بين العبد و ربه إلى تجمع للصخب و الغضب و تصفية الحسابات و ضرب الاستقرار النفسي للعباد و البلاد فأصبحت جمعتنا و للأسف، و بتوجيه من أسياد هذه الشلة المجرمة، جمعة للصخب و جمعة للغضب و جمعة للسب و الشتم و جمعة للقتل و النهب و جمعة لدفن القتلى و جمعة لنهب الأسواق و إذاية المارة و جمعة للرحيل و ربما أخرى للتثبيت و جمعة للشتائم و النمائم .
و مثلما أصبح لدينا بفعل هذه الشلة المارقة ، دين متطرف و دين معتدل ، سيصبح لدينا جمعتان : جمعة للعبادة و جمعة للإبادة و من المؤكد أن الأخيرة هي المطلوبة أمريكيا ..
لقد آلمني كثيرا إدراج هؤلاء المرتزقة المنافقين ، المرتهنين للدروائر الصهيونية ، إحدى جمعهم للحرائر السوريات و أنا متأكد أنهم أخطئوا العنوان عن غير قصد ، فهم عبر تاريخهم المرتهن لقوى الظلم و العدوان ، لا يعرفون معنى الحرائر لأنهم و كل ما لديهم من نساء سبايا تحت حراب قواعد الاحتلال الأجنبي و ربما دار في عقلهم الباطني ـ إن كان لديهم مثل هذا العقل أصلا ـ تميز المرأة السورية عن غيرها من سبايا تلك المنطقة؛ فالمرأة السورية حرة بحرية أرضها من القواعد الأجنبية و حرة كذلك بحرية اقتصاد بلادها و مأكلها و ملبسها و دوائها من التبعية التي ترسف في قيودها نساء هذه الشلة المرتهنة لإرادة أعداء أمتنا.
فمن يحرس أمن المرأة السورية هم أبناؤها و من يحرس أمن سمائها هم أبناؤها و من يتحكم في أرضها و مياهها هم أبناؤها و ربما يؤلم هذه الشلة المنافقة المرتهنة للدوائر الصهيونية أن المرأة السورية لم تسب بعد مثلما سبيت أختها الفلسطينية ومثلما سبيت الماجدات العراقيات على يد بلاك ووتر وبتواطئهم المخزي والمكشوف.
أما الثورة التي تتشدق بها هذه الشلة المرتهنة ، فهي أطهر و أنبل و أعظم و أنقى من أن يكون قادتها مرتهنين لدى دوائر الاستعمار و الصهيونية .. و من أن يكون عتادها و عدتها من جيوب أمراء الذل و الهوان .. و أن يكون توجيهها من فقهاء الإفتاء المدفوع الثمن ... و من أن تكون مظلتها حلف الناتو ذو التاريخ العريق في تمزيق الشعوب و استعمارها و إذلالها و نهب ثرواتها .. و من أن يكون إعلامها إعلام الغرب الاستعماري و إعلام أنظمة الهوان و التبعية و التخلف، السائرة في فلكه
فعن أي ثورة يتحدث هؤلاء !؟

Written by Super User

Has no content to show!