سوريا الأسد هي بوصلة المشروع النهضوي العربي / محفوظ ولد اعزيز

يمر القطر العربي السوري منذ فترة بصراع كوني مرير بين إرادتين كل منهما نقيض للآخرى ، هما إرادة الوجود الحر الفاعل في توجيه مسار الأحداث في المنطقة العربية و إرادة الاستعمار الغربي و ربيبته الصهيونية العالمية التي تسعى إلى ضم القطر العربي السوري لمحمية الذل و الهوان التي دخل في زواريبها قهرا أحيانا و طواعية أحايين أخرى كل قيادات الأقطار العربية.


لقد جيش الاستعمار الغربي و ربيبته الصهيونية العالمية في هذه الحرب شتى أنواع ابتكارات الحرب المعاصرة و شتى أنواع ابتكاراتها التكنولوجية ، فمن ضخ للأموال و بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الصراع السياسي في المنطقة و العالم إلى استخدام الإمبراطورية الإعلامية العالمية و بشكل تم فيه تجاوز كل المعايير المهنية و المنظومة الأخلاقية المتعارف عليها في هذا المجال. هذا إلى جانب استخدام المنظمات و الهيئات العاملة في المجال الأممي . و لم يتم التورع عن استخدام طوابير المرتزقة المجندين من كل حدب و صوب و الزج بهم في حرب شوارع المدن لاستنزاف الدولة السورية عسكريا و أمنيا و يرافق طوابير المرتزقة هذه في مهمتها القذرة ، سيل من الدعاية و التضليل الإعلامي و التجييش السياسي و الحرب النفسية كل هذا من أجل كسر إرادة الدولة السورية و فرض الهيمنة عليها و مصادرة قرارها السياسي الحر المستقل للعودة بالمنطقة كلها إلى ما قبل سايس بيكو و إعادة ترتيبها من جديد في كيانات هزيلة على أسس أثنية و طائفية و قبلية لتبقى إسرائيل هي الدولة المركزية القوية الوحيدة في عموم الإقليم العربي ، من مشرقه إلى مغربه.
لقد استحوذ القطر العربي السوري على أكبر حيز من إستراتيجية النظام الامبريالي الغربي الاستعماري الصهيوني الجديدة في المنطقة العربية و ذلك عائد إلى عدة أسباب على رأسها أن سوريا هي البلد العربي الوحيد الذي ظل على الدوام يرعى كل فعل عربي مقاوم للهيمنة و الاستعمار علي المنطقة العربية . هذا إلى جانب كونه القطر العربي الوحيد الذي يمتلك ناصية قراره السياسي الحر بعيدا عن الهيمنة و الإملاءات التي تخضع لها بقية الأقطار العربية إضافة إلى كونه البلد العربي الوحيد الذي لديه رؤية متكاملة لما يجب أن تكون عليه العلاقات العربية البينية و العلاقات العربية الدولية مبنية على التكافؤ في العلاقات الدولية. كل هذا و غيره مما لا يسع المجال لذكره ، أهل سوريا لتكون رأس الحربة في المشروع النهضوي العربي و أهلها لتكون الخندق الأمامي في المواجهة مع المشروع الاستعماري التصفوي الجديد في المنطقة العربية.
لقد تعرض القطر العربي السوري على الدوام خلال مسيرته النضالية الحافلة للعديد من المؤامرات و الحروب على يد الاستعمار الغربي و ربيبته الصهيونية العالمية بالوكالة تارة و بشكل مباشر تارة أخرى . و هذا هو قدر سوريا التي ظلت على الدوام تحمل هموم أمتها . و قد كان أخطر هذه المؤامرات و الحروب تلك التي واجهتها بعد رفضها الإذعان و الدخول في مؤامرة كامب ديفيد و تمسكها بالكفاح عن الحق العربي في فلسطين و لبنان و وقوفها إلى جانب المقاومة و تأسيسها لنهج الممانعة و رفضها الكامل لنهج المساومة و لهيمنة المشروع الأمريكي الغربي الصهيوني على المنطقة العربية و وقوفها إلى جانب حركات الرفض في الوطن العربي و إلى جانب حركات التحرر في إفريقيا و أمريكا اللاتينية.
لقد أهل هذا الموقف التاريخي و تلك التضحيات الجسام في مرحلة من أخطر مراحل التداعي العربي قتامة ، القطر العربي السوري لأن يأخذ موقعه الريادي في الوطن العربي و أن يتجاوز حدوده الجغرافية و قدراته المادية المحدودة ، إلى دور إقليمي و دولي مؤثر في مجرى السياسة الدولية اتجاه الوطن العربي . و قد برزت هذه القدرات القيادية الفذة و العبقرية النادرة للقائد الراحل حافظ الأسد الذي كان يقرأ الحاضر بعيون المستقبل و يرى القدرات الكامنة في شعبه و أمته، لا تلك الظاهرة الزائفة و المتجاوزة .
لقد كان حافظ الأسد رحمه الله يقرأ المستقبل بعيون ترى تحت الركام أن واقع الأمة حابل بروح الرفض و التحدي و المقاومة لهذه الروح الانهزامية، الخاملة ، الميتة ، المستسلمة لإرادة قوى البغي و العدوان .
لقد بينت هذه المواقف و الرؤى أن الراحل حافظ الأسد ، لم يكن رئيسا عاديا و لا حاكما هاويا و إنما كان قائدا تاريخيا بمعنى الكلمة ، يتعامل مع الحاضر بعيون المستقبل و يقرأ الواقع بروح متفائلة ، واثقة بالشعب و بقدرته على تجاوز المحن و الصعاب مهما عظم حجمها و التصدي لقوى البغي و العدوان و الانتصار عليها و صنع مستقبله الحر الكريم ، بعيدا عن الاملاءات و الهيمنة الأجنبية . و هذه الروح المتفائلة المؤمنة الواثقة ، الصلبة هي التي تميز القائد التاريخي عن غيره .
إن الملمات و المحن هي التي يتم من خلالها اكتشاف معادن القادة و الرجال ، فلو عدنا قليلا إلى الوراء إلى التاريخ لأدركنا و بكل وضوح أن ما نتغنى به من رجال و قادة عظام عبر تاريخنا العربي و تاريخ البشرية كلها ، هم رجال لم يميزهم عن أقرانهم من رجال تلك الحقب سوى المهمات الجسيمة التي انتدبوا أنفسهم و انتدبهم شعبهم لها ، فكانوا أهلا للجلد و الصبر و الثبات.
لقد تميز أولائك الرجال بمعاكستهم للتيار السائد في تلك الحقب من تاريخ البشرية ، فشكلوا بتلك المواقف بقعة الضوء في النفق في تلك المراحل المظلمة من صراع الإنسانية مع قوى الشر و الطغيان .
لقد شكل هؤلاء الرجال الحالة النشاز في ليل العبودية و القهر و الاستغلال . لقد كانوا يبشرون بغد لم يكن بمقدور العامية إدراكه و يكافحون من أجل مستقبل لم يكن في الواقع ما يؤهل لبلوغه.
لقد كان كل ما يبشر به  هؤلاء القادة الأفذاذ يندرج في فضاء الأحلام بالنسبة لقوى الظلام السائدة و للنخب السائرة في فلكها و لجميع سماسرة قوى الشر الدولية المهيمنة على المشهد السياسي السائد في تلك الحقب من تاريخ البشرية.
و لنا في هذا المجال، في رسول الله محمد بن عبد الله أسوة حسنة ، فلنعد بالذاكرة قليلا إلى تلك الحقبة من تاريخ البشرية لنستنبط و ندرك ، كم هي حكمة المولى عز و جل في تزكية القادة و المخـَلصين . فكم كانت آلة قريش الدعائية و كم كانت حربهم النفسية و المادية و كم كان حصارهم عظيما و كم كان حلفاء مشروعهم المادي القهري يسودون في تلك الحقبة كل أنحاء المعمورة . و كم عانى رسولنا الأعظم من قهر الأهل و تنكر الإخوة و الأشقاء و تسفيه المغرضين و الضعفاء و حصار الجبابرة و الأغنياء . فكان كلما اشتد عليه أذى هؤلاء يقول "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يفقهون" .
بهذه الروح المؤمنة المتسامحة الواثقة ، كان نبينا و قدوتنا و نبراسنا في الحكمة و الجلد و الصبر و الثبات ، يخاطب خصومه من أهله المارقين ، على دعوة الحق و الهداية و الصراط المستقيم ، في حين أنه في الجانب الآخر يواجه إغراءاتهم المادية و المعنوية بدرجة من الثبات و الوثوق بنصر الله ، لم يسبق لها مثيل. ففي حين يعرض عليه ملك العرب المادي و السياسي مقابل تخليه عن معاكسة ما هو سائد ، يقول "والله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" .
بقراءة متأنية لهذا التاريخ المضيء و بشيء من الحكمة الربانية العظيمة ، وقف رجال هذه الأمة العظام ، عبر تاريخها المليء بالحروب و النكبات و للأسف الشديد فإن كثيرا من هؤلاء القادة لم ينظر إليه بما يستحق من احترام إلا بعد أن رحل و ذلك بسبب قوة الدعاية المضادة لقوى البغي و العدوان و الهيمنة السائدة على المشهد العالمي و لم تقرأ عطاءاتهم النادرة في سياقها التاريخي  قراءة متأنية ليوفوا حقهم إلا بعد أن رحلوا . و من هؤلاء القائد الراحل حافظ الأسد الذي كان لموقفه من مؤامرة كامب ديفيد أكبر الأثر في صون المقاومة و الدفاع عن المشروع العربي التحرري  و الوقوف في وجه تعميم روح الاستسلام و الذل و التبعية على عموم المنطقة العربية .
لقد جوبهت هذه الروح في هذا الرجل من أول يوم لظهورها و تم التآمر على بلده سوريا و فجرت له حرب أهلية داخلية مولت و سلحت من الحلف الإقليمي و الدولي العامل على تعميم كامب ديفيد على هموم المنطقة العربية و ذلك لإشغاله عن مواجهة هذا المشروع الصهيوني الأمريكي الغربي التوسعي الذي بدأت معالمه تتضح بخروج مصر من ساحة الصراع العربي الصهيوني إلا أن هذا الرجل لحنكته و قوة إرادته و عمق قراءته للتاريخ ، لم ينثن و واصل طريقه في التصدي للمؤامرة الداخلية و دحرها و واصل طريقه في صون المقاومة و الدفاع عنها كمشروع لإخراج الأمة العربية من دائرة التخلف و التبعية و الارتهان لقوى البغي و العدوان . و من حسن حظ هذا القائد أنه لم يمت إلا بعد أن رأى بأم عينه المشروع المقاوم الذي أشرف على بنائه و رعايته في لبنان ينتصر و يهزم المشروع الغربي الصهيوني الاستعماري إلى غير رجعة في هذا البلد العربي الصغير و المنهك بالصراعات الداخلية التي غذاها الغرب و حليفته الصهيونية لعقود من الزمن و تلك حكمة و موعظة يجب أن نقرأها جيدا (فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله و الله مع الصابرين) (صدق الله العظيم) .
و اليوم تواجه سوريا بقيادة بشار الأسد نفس المؤامرة و بنفس الأدوات و نفس القوى الإقليمية و الدولية و بنفس الحدة و العنجهية و كأن التاريخ يعيد نفسه . و منذ اليوم الأول لظهور هذه المؤامرة الشريرة و التي ألبسها القائمون عليها لبوس الثورية و الحرية و الديمقراطية و أظهروا و بشكل زائف، تأسيهم بشعوب عربية ، كان كل أحرار هذه الأمة و لا يزالون يراهنون على ثورتها على المشروع الاستعماري الصهيوني : مشروع كامب ديفيد اللعين و على أنظمة الذل و الهوان و الارتهان السائرة في فلكه . و من أول يوم لبروز هذه المؤامرة الدنيئة و القائد بشار حافظ الأسد تنهال عليه الإغراءات من كل القوى العالمية العاملة على تعميم مشروع الشرق أوسط الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية و ربيبتها الصهيونية العالمية و بيادق الذل و الارتهان و الهوان السائرة في فلكهم من حكام المنطقة العربية ، مطالبة إياه بالتخلي عن مشروع مقاومة و ممانعة الهيمنة الأمريكية الغربية الإسرائيلية على المنطقة العربية مقابل وأد هذه المؤامرة و تمكينه من قيادة سوريا ، مستقرة إلى أبد الآبدين ، فكان رده على هذه الشروط رد المتأسي بالرسول المعظم  القارئ للتاريخ و الواثق بنصر الله و بأن المكر السيئ في نهاية المطاف سيحيق لا محالة بأهله و بأن الخونة المارقين على مشروع تحرير الأمة و الذود عن حرماتها و الوقوف في وجه أعدائها المدنسين لمقدساتها ، الناهبين لثرواتها في آخر هذا الصراع المرير بين الحق و الباطل،  إلى مزبلة التاريخ .
لقد حافظ القائد بشار حافظ الأسد بهذا الموقف على بقاء بوصلة حرية أمتنا في اتجاهها الصحيح ، حين حفظ المقاومة فحفظ الأمانة فكان خير خلف لخير سلف .
إن شعوب أمتنا الثائرة اليوم على الظلم و الاضطهاد و على المشروع الصهيوني الأمريكي الغربي الاستعماري و على أنظمة الذل و الهوان و الارتهان،  لديها من الوعي ما تفرق به بين من كرس حياته و مقدرات بلده و عانى في ذلك ما عاناه من حصار و تآمر و اضطهاد و بين من كرس حياته و مقدرات بلده في خدمة مشروع التآمر على الأمة و مستقبل أجيالها و تسفيه تاريخها و إهانة معتقداتها ، و سيكتشف الجميع و لو متأخرا أن هذا الفصل من فصول التآمر على سوريا الحبيبة و على دورها التاريخي المجيد ، لن يثني هذا البلد المقاوم عن مواصلة عطاءاته في إنجاز مشروع الأمة التحرري و ستعود تلك الذئاب المأجورة التي دأبت على نهش لحوم أمتنا إلى جحورها خائبة ذليلة كما كانت على مر تاريخ سوريا المعطاء " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " صدق الله العظيم. 

Written by Super User

Has no content to show!