البعث إرادة الحياة / محفوظ ولد أعزيز

إن المتتبع لتاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي : الظروف و النشأة، لن يكون متفاجئا بخطورة المؤامرات و صعوبة المطبات و تنوع الخصوم و التحالفات التي يحار العقل أحيانا كيف اجتمع أصحابها و على ماذا تحالفوا و ما هي الميكانيسمات التي وحدت بينهم، في حين لا يوجد قاسم فكري في ما هو معلن من الآراء و النظريات تلتقي حوله هذه المجاميع التي يوجد في عضويتها أقصى اليسار الشيوعي إلى جانب أقصى التطرف الديني إلى جانب الشوفينية العرقية إلى جانب ما يسمى بالليبراليين و دعاة الدولة العلمانية على النمط الغربي الذي ذهب في الفهم الشكلي للحرية و حقوق الإنسان حد الاعتراف بالجنس الثالث و حقه في التمثيل و القيادة ...؟!


لقد نشأ حزب البعث العربي الاشتراكي في أربعينيات القرن الماضي في خضم الصراع المحتدم  آنذاك بين حركات التحرر العالمي و بين الاستعمار الكولونيالي الغربي الذي هيمن على شعوب العالم الثالث لمدد تفاوتت و في ظروف متفاوتة الخطورة . لقد كانت تركة الوطن العربي من هذا الاستعمار أسوأ تركة على الإطلاق ، حيث قسم الوطن العربي إلى كيانات سياسية و جغرافية هزيلة بهدف زرع التجزئة و جعلها قدرا محتوما بين أبناء الوطن الواحد كما قامت الدول الأوروبية مجتمعة بإنشاء الكيان، الفاصلة بين مغرب الوطن العربي و مشرقه بهدف ديمومة هذه التجزئة و خلق مناخ دائم من الحروب و عدم الاستقرار ، الشيء الذي يجعل اقتصاديات هذه الأقطار حديثة النشأة ، على الرغم من تخلفها و عدم قدرتها على المنافسة ، تتجه من أول يوم للانفصال عن المستعمر نحو العسكرة غير المتكافئة بدل التوجه نحو التنمية مما أعاق إمكانية النمو الشامل و المنسجم في هذه الأقطار التي ظلت تتعرض للنهب من جهة و للمشاغلة العسكرية و الأمنية من جهة ثانية .
في هذه الأجواء تلمس حزب البعث العربي الاشتراكي طريقه إلى الوجود راسما إستراتيجيته على أساس رؤيته للواقع العربي المعاصر على ثلاث محاور للخلاص من هذه التركة المشؤومة، و هي :
1 ـ الوحدة العربية ، حيث لا يمكن الرد الفعال على المشروع الاستعماري الجديد للوطن العربي إلا بتوحيد الجبهة الداخلية العربية ، سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا ، جازما أنه لا يمكن الانتصار على الغرب و ربيبته الصهيونية العالمية إلا من خلال إرادة عربية موحدة و جبهة عربية عريضة ، كل طاقاتها الاقتصادية و الاجتماعية و الجغرافية في خدمة المعركة و كل ما تقادمت السنين و اشتدت الأحداث و تعمقت الجراح ، ثبتت صدقية هذه الرؤية و عمق غوصها في إرادة الحياة لأمة تبحث عن الوجود الحر و العيش الكريم بين أمم بنت فلسفاتها على قانون القوة لا قوة القانون.
2 ـ الحرية ، و لها أبعاد متعددة في فلسفة حزب البعث العربي الاشتراكي حيث كان العديد من الأقطار العربية أثناء تأسيس الحزب، لا يزال يرزح تحت نير الاستعمار المباشر ، هنا اكتست الحرية عند حزب البعث بعدا زمنيا محددا هو التحرر من نير الاستعمار المباشر و أدواته ، هذا إلى جانب تحرير الاقتصاد العربي من التبعية و النهب المنظم الذي يرزح تحته منذ عدة عقود . لقد كان الإنسان هو العنصر المحوري في فهم حزب البعث العربي الاشتراكي للحرية ، حين نادي بتحرير الفلاحين من ربقة الإقطاع البغيض و كان أول حركة في الوطن العربي رفعت شعار تحرير المرأة العربية من النظرة الدونية إليها الموروثة عن المجتمع الإقطاعي المتخلف و نادي بدمجها جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل في الحياة العامة. كما كان حزب البعث العربي الاشتراكي أول حركة عربية نادت بضرورة تحرير الإنسان العربي من الأمية ، هذا الداء الذي يعوق قدرة الكثيرين من أبناء الوطن العربي عن المشاركة في الحياة العامة و يعيق قدرتهم على فهم حقوقهم المدنية و الاستعداد للدفاع عنها و بعبارة أوضح لم تكن الحرية في فلسفة حزب البعث العربي الاشتراكي حرية شكلية بل كانت حرية مضمون ، حرية أمة مضطهدة تبحث عن تأسيس وجودها و توحيد كياناتها و تحرير قدراتها المادية و البشرية من النهب و التهميش و النظرة الدونية إلى وجودها و دورها بين الشعوب و الأمم . و لم ينظر حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الإنسان العربي على أنه رقم هامشي يلجأ إليه ليعطي صوته حين تتصارع مراكز النفوذ على المجالس النيابية و إدارة الشؤون المحلية بل نظر إليه على أنه هو الغاية و الوسيلة في آن معا .. نظر إليه على أنه جزء أصيل في اختيار السلطة و إدارتها و توجيهها .. نظر إليه على أنه ركن أساسي من أركان إرادة الحياة العربية الجديدة ..
3 ـ الاشتراكية ، لقد شخص حزب البعث العربي الاشتراكي الواقع الاقتصادي و الاجتماعي العربي فخلص إلى أن العناصر الأساسية في الاقتصاد العربي المعاصر هي عناصر طبيعية لا دخل للإنسان في خلقها كالنفط و الحديد و الغاز و الذهب و النحاس إلى غير ذلك، الشيء الذي يؤهله لتكون فوائده عامة لا خاصة، ضف إلى ذلك حالة التخلف الصناعي و الزراعي الموروثة عن الحقبة الاستعمارية و ضعف الرأسمال الخاص و عدم قدرته على المنافسة من جهة و عدم أهليته لامتصاص البطالة و تأهيل البنى الاجتماعية من جهة ثانية.
كل هذا و غيره مما لا يسع المجال لذكره ، جعل حزب البعث العربي الاشتراكي يتبنى الطرح الاشتراكي كطريق لجعل الدولة تأخذ على عاتقها النهوض بالجوانب الأساسية للتنمية الاجتماعية في المجالات كافة الصناعة ، الزراعة ، الصحة و التعليم و خدمات البنى التحتية الأساسية كأسلوب لإعادة توزيع الثروة العربية بين أبناء الوطن العربي للنهوض بهم في كافة المجالات الشيء الذي يجعلهم أقدر على صنع مستقبلهم و أكثر ثباتا في مواجهة المخاطر المحدقة بأمتهم و أشد صلابة في مجابهة قوى النهب الاستعماري أعداء الحرية، أعداء إرادة الحياة .
لقد واجه حزب البعث العربي الاشتراكي منذ نشأته تحديات و مخاطر جسيمة منها التحدي الصهيوني الجاثم على الأرض العربية و منها التحدي الاستعماري القديم و الحديث و منها الرجعية العربية و ما تمثله من عمق استراتيجي للاستعمار الغربي و ربيبته إسرائيل و منها تحدي التجزئة الذي لا يزال يمد الاستعمار و ربيبته إسرائيل بقدرة فائقة على المناورة و الانفراد بكل قطر على حدة لإركاعه و فرض الشروط المذلة و غير المتكافئة معه في مجال الشراكة الاقتصادية و التجارية و منها تحدي التخلف الاجتماعي حيث لا تزال النظم القطرية التابعة للكولونيال الغربي تجند بأمر من سادتها كل إمكانيات هذه الأقطار لتعميق الشروخ الاجتماعية كالقبلية و الطائفية و المذهبية و والفيئوية إلى غير ذلك من الآفات المدمرة للنسيج الاجتماعي و جعلها قنابل موقوتة لاستخدامها عند الضرورة .
في هذا الواقع العربي المرير وجد حزب ابعث العربي الاشتراكي نفسه في القطر العربي السوري الذي وصل إلى السلطة فيه يبني تجربته لبنة لبنة، ففي الوقت الذي يواجه فيه تداعيات التوسع الممنهج للكيان الصهيوني على الأرض العربية و ما خلفه هذا التوسع من أعباء كانت كلها على عاتق القطر العربي السوري من فلسطين إلى لبنان إلى العراق . و على الرغم من كل هذه الأعباء الجسيمة و من هذا الواقع العربي و الإقليمي و الدولي غير المريح إن لم نقل معاديا ، استطاع حزب البعث العربي الاشتراكي أن يجعل من سوريا بلدا زراعيا يحوز على شبه اكتفائه الذاتي في مجال الغذاء الشيء الذي ينعدم عند كثير من الدول حتى تلك المتقدمة . و استطاع حزب البعث العربي الاشتراكي أن يؤسس لقاعدة صناعية اتخذ فيها إستراتيجية الأولويات كالدواء و الغذاء و الملبس إلى جانب بعض الصناعات الأساسية الأخرى . و استطاع حزب البعث العربي الاشتراكي أن يؤسس لقاعدة معرفية و علمية جعلت محافظات القطر العربي السوري تحفل بالجامعات و المعاهد المتخصصة مما جعل سوريا قبلة لطالبي العلم من كل الأقطار العربية .
و يكفي حزب البعث العربي الاشتراكي فخرا أن سوريا البلد الوحيد في العالم غير المدين للمؤسسات المالية الدولية باعتراف تلك المؤسسات نفسها.
و اليوم تخاض حرب كونية على سوريا البعث لقتل إرادة الحياة في هذا البلد الذي مثل بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي حالة التفرد في الواقع العربي المطمور في قاع التخلف و التبعية و المنهك بالديون غير التنموية و الجائع حد التسول في شوارع كبريات المدن العالمية .
من هذا المنطلق يمكننا أن نفهم تلاقي المتناقضات في الفضاء و على الأرض لهدم هذا الصرح المارق على منظومة التخلف العربية .
لقد تلاقت الشيوعية و السلفية الوهابية و الحركة الإخوانية و العلمانية الليبرالية الغربية مع كل العناصر غير السوية للحرب على حزب البعث و على سورية و كلها لخدمة المشروع القديم الجديد .. مشروع الاستعمار و الصهيونية .. مشروع التخلف و الرجعية .. مشروع النهب الإمبريالي و سيطرة أمريكا و حلفائها على المنظومة الكونية باسم حقوق الإنسان و الديمقراطية ..!؟
فيا أهلنا في سوريا قاوموا و لا تنحنوا فإن هذه ليست إلا موجة جديدة استعمارية تريد العودة بكم إلى مزارب التخلف و التبعية.

Written by Super User

Has no content to show!